جلال الدين السيوطي

15

الاكليل في استنباط التنزيل

وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال ، والمواعظ التي تقلقل « 1 » قلوب الرجال ، وتكاد تدكدك الجبال « 2 » ، فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد ، والتحذير والتبشير ، وذكر الموت والمعاد ، والنشر والحشر ، والحساب والعقاب ، والجنة والنار ، فصولا من المواعظ وأصولا من الزواجر فسموا بذلك الخطباء والوعاظ . واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير مثل ما ورد في قصة يوسف من البقرات السمان وفي منامي صاحبي السجن وفي رؤية الشمس والقمر والنجوم ساجدات ، وسموه تعبير الرؤيا . واستنبطوا تفسير كل رؤيا من الكتاب ، فإن عز عليهم إخراجها منه فمن السنة التي هي شارحة للكتاب ، فإن عسر فمن الحكم والأمثال ، ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم وعرف عاداتهم الذي أشار اليه القرآن بقوله : وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ « 3 » . وأخذ قوم مما في آية المواريث من ذكر السهام وأربابها وغير ذلك علم الفرائض ، واستنبطوا منها ذكر النصف ، والثلث والربع والسدس والثمن حساب الفرائض ومسائل العول « 4 » واستخرجوا منه أحكام الوصايا . ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحكم الباهرة في الليل والنهار . والشمس والقمر ومنازله والنجوم والبروج وغير ذلك ، فاستخرجوا منه علم المواقيت . ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ ، وبديع النظم . وحسن السياق والمبادي والمقاطيع والمخالص . والتلوين ، في الخطاب والإطناب والإيجاز ، وغير ذلك فاستنبطوا منه المعاني والبيان ، والبديع . ونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة فلاح لهم من ألفاظه معان ودقايق جعلوا لها أعلاما اصطلحوا عليها مثل الفناء ، والبقاء والحضور ، والخوف ، والهيبة والأنس ، والوحشة ، والقبض ، والبسط ، وما أشبه ذلك .

--> ( 1 ) يقال : قلقله قلقلة وقلقالا ، فتقلقل : إذا حرّكه فتحرّك واضطرب . ( 2 ) تدكدك الجبال : تجعلها دكدكا . وهو ما تكبّس من الرمل واستوى ، أو ما التبد منه بالأرض ولم يرتفع . وصيغة الفعل هنا مضعّفة ، فإنّ أصله : دكّ الشيء يدكّه دكّا ، إذا دقّه . ويقال : دكّ الحائط ، أي هدمه حتى سواه بالأرض ، ودكّ التراب : كبّسه وسوّاه . ( 3 ) سورة الأعراف : 199 . ( 4 ) يقال : عال الميزان عولا : إذا لم يستو طرفاه . وعالت الفريضة : ارتفعت ، وهو أن تزيد سهاما فيدخل النقصان على أهل الفرائض . قال أبو عبيد : « أظنه مأخوذا من الميل » : وذلك أن الفريضة إذا عالت ، فهي تميل على أهل الفريضة جميعا فتنقصهم .